السبت، 30 مايو 2026

في رحيل إدغار موران: حين يغيب شاهدٌ على قرن بأكمله

 



ليس رحيل إدغار موران مجرد خبر يضاف إلى سجل الوفيات، ولا مجرد خسارة جديدة تتكبدها الساحة الفكرية العالمية برحيل أحد كبار مفكريها. إن رحيله يحمل معنى أعمق من ذلك بكثير، لأنه يمثل اختفاء واحد من آخر الأصوات التي كانت تربطنا مباشرة بالقرن العشرين، لا بوصفه مادة تاريخية تُدرَّس في الكتب، بل بوصفه تجربة معيشة بكل ما حملته من مآسٍ وآمال وتناقضات. فموران لم يكن مجرد مراقب للأحداث الكبرى التي صنعت العالم الحديث، بل كان شاهدًا عليها ومشاركًا في بعضها ومفكرًا انشغل طوال حياته بمحاولة فهمها وربط عناصرها المتناثرة ضمن رؤية شاملة للإنسان والتاريخ.

ولد موران في زمن كانت أوروبا تعيش فيه تحولات عميقة، وعاصر خلال حياته الطويلة معظم الأحداث التي شكلت الوعي السياسي والفكري للعصر الحديث. شهد صعود النازية والفاشية، وانخرط في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وعاش تجربة الالتزام السياسي والفكري في مرحلة كانت فيها الشيوعية تمثل أفقًا للخلاص بالنسبة إلى كثير من المثقفين. لكنه، مثل عدد من كبار مفكري القرن العشرين، لم يتردد في مراجعة قناعاته عندما اصطدمت بالواقع، فانتقل من الإيمان العقائدي إلى التفكير النقدي، ومن اليقين الأيديولوجي إلى البحث الدائم عن الحقيقة في تعقيدها وتعدد أبعادها.

لهذا السبب يصعب اختزال إدغار موران في صفة واحدة. فهو عالم اجتماع وفيلسوف ومفكر سياسي ومنظر ثقافي وباحث في قضايا المعرفة والإنسان والبيئة. لكن ما يجمع كل هذه الاهتمامات هو سعيه المستمر إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين التخصصات والحقول المعرفية المختلفة. لقد كان مقتنعًا بأن العالم لا يمكن فهمه إذا جرى تقسيمه إلى أجزاء منفصلة، وأن المشكلات الكبرى التي تواجه البشرية لا تعترف بالحدود التي رسمتها الجامعات أو المؤسسات أو الأيديولوجيات.

ومن هنا جاءت فكرته الأشهر: "الفكر المركب" أو "فكر التعقيد". لم يكن التعقيد عند موران مفهومًا نظريًا مجردًا، بل كان طريقة في النظر إلى الواقع. فقد رأى أن الإنسان يعيش داخل شبكة هائلة من العلاقات المتداخلة، وأن الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية تؤثر بعضها في بعض بصورة تجعل أي محاولة لفهمها بشكل منفصل محاولة ناقصة بالضرورة. لذلك دعا إلى تجاوز التفكير الاختزالي الذي يبحث دائمًا عن سبب واحد لكل مشكلة أو عن تفسير واحد لكل ظاهرة.

لقد أمضى سنوات طويلة في تطوير هذا المشروع الفكري الضخم، الذي تجسد خصوصًا في عمله الموسوعي الكبير "المنهج"، حيث حاول بناء رؤية جديدة للمعرفة تقوم على الربط بدل الفصل، وعلى الحوار بين العلوم بدل عزلها عن بعضها البعض. وكان يؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تنشأ من التخصص الضيق وحده، بل من القدرة على إقامة الجسور بين مختلف أشكال المعرفة الإنسانية.

في زمننا الراهن، تبدو أفكار موران أكثر راهنية من أي وقت مضى. فنحن نعيش في عالم تتشابك فيه الأزمات بصورة غير مسبوقة. فالأزمة البيئية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد والسياسة وأنماط الاستهلاك، والأزمات الصحية العالمية لا يمكن فهمها بعيدًا عن العولمة والتكنولوجيا والثقافة، والصراعات السياسية لا تنفصل عن التاريخ والهوية والدين والمصالح الاقتصادية. وقد كان موران من أوائل المفكرين الذين نبهوا إلى هذا الترابط العميق بين مختلف أبعاد الواقع.

كما كان من أوائل الأصوات التي حذرت من المخاطر البيئية التي تهدد مستقبل البشرية. ففي وقت لم تكن فيه القضايا البيئية تحتل مكانتها الحالية في النقاش العالمي، كان موران يدعو إلى التفكير في مصير الأرض باعتبارها بيتًا مشتركًا للبشر جميعًا. وكان يرى أن الإنسانية دخلت مرحلة جديدة من تاريخها أصبحت فيها المشكلات الكبرى ذات طابع كوني، وأن أي محاولة لمعالجتها من منظور قومي أو محلي ضيق لن تكون كافية.

وفي الوقت نفسه، لم يكن موران من دعاة الكونية المجردة التي تلغي الخصوصيات الثقافية والوطنية. فقد دافع عن فكرة التوازن بين الانتماءات المختلفة للإنسان. كان يرى أن الفرد يستطيع أن يكون وفيًا لوطنه وثقافته وتاريخه، وفي الوقت نفسه منفتحًا على الإنسانية جمعاء. ولذلك رفض كل أشكال التعصب القومي أو الثقافي، كما رفض النزعات التي تسعى إلى محو الهويات المحلية باسم العولمة أو الكونية.

ومن أبرز ما يميز فكر موران أيضًا نقده العميق لفكرة التقدم كما سادت في القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد كان يشكك في الاعتقاد الساذج بأن التطور العلمي والتقني يؤدي تلقائيًا إلى تقدم أخلاقي أو إنساني. لقد رأى أن القرن العشرين قدم الدليل الأكبر على خطورة هذا الوهم؛ فهو القرن الذي شهد أعظم الإنجازات العلمية، لكنه شهد أيضًا الحروب الأكثر تدميرًا والإبادات الجماعية وأشكال العنف غير المسبوقة.

لهذا كان يؤكد باستمرار أن العلم، مهما بلغت قوته، لا يستطيع وحده أن يجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمعنى الحياة والعدالة والمصير الإنساني. وكان يحذر من تحويل التقنية إلى عقيدة جديدة، لأن الأدوات التي تمنح الإنسان قدرة أكبر على السيطرة على العالم قد تتحول أيضًا إلى أدوات للهيمنة والتدمير إذا لم ترافقها حكمة أخلاقية وإنسانية.

كما تميز موران بدفاعه المستمر عن التواضع الفكري. ففي عالم يميل إلى اليقينيات المطلقة والانقسامات الحادة، كان يدعو إلى الاعتراف بحدود المعرفة البشرية. لم يكن يرى الشك علامة ضعف، بل شرطًا أساسيًا للتفكير الحر. وكان يؤمن بأن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، وأن الاقتراب منها يقتضي الحوار والانفتاح والاستعداد الدائم لمراجعة الأفكار والقناعات.

ولعل هذا ما جعل فكره يحتفظ بحيويته حتى السنوات الأخيرة من حياته. فعلى الرغم من تقدمه في العمر، ظل حاضرًا في النقاشات الفكرية الكبرى المتعلقة بالديمقراطية والعولمة والبيئة ومستقبل الإنسانية. ولم يتوقف عن الكتابة والتأمل وإبداء الرأي في القضايا التي تشغل العالم، مؤكدًا أن مهمة المفكر ليست تقديم أجوبة نهائية، بل المساهمة في طرح الأسئلة الصحيحة.

اليوم، برحيل إدغار موران، لا نفقد فقط مفكرًا استثنائيًا، بل نفقد شاهدًا على قرن كامل من التحولات الكبرى. نفقد صوتًا ظل يذكرنا بأن الواقع أكثر تعقيدًا مما نتصور، وأن الإنسان أكبر من التصنيفات الضيقة التي نحاول حبسه داخلها، وأن المعرفة الحقيقية تبدأ حين نعترف بما نجهله بقدر ما نعرفه.
ومع ذلك، فإن الأفكار العظيمة لا تموت بموت أصحابها. فالإرث الذي تركه موران سيظل حاضرًا في كل محاولة لفهم العالم بعيدًا عن الاختزال، وفي كل دعوة إلى الجمع بين العلم والحكمة، وبين السياسة والأخلاق، وبين الانتماء الوطني والمسؤولية الإنسانية الشاملة.

لقد رحل إدغار موران، لكن الدرس الذي كرره طوال حياته يبقى أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: أن العالم لا يُفهم بالتبسيط، ولا يُدار باليقين المطلق، ولا يُنقذ بالقوة وحدها. إنه يحتاج إلى عقل يعترف بالتعقيد، وإلى فكر يتحلى بالتواضع، وإلى إنسانية قادرة على الحب والتضامن. وبين هذه القيم الثلاث — التعقيد والتواضع والحب — بنى موران مشروعه الفكري الكبير، وترك للأجيال القادمة مفاتيح الدخول إليه واستكمال الحوار الذي لم يتوقف يومًا حول الإنسان ومصيره في هذا العالم.

الأحد، 11 مايو 2025

الدار البيضاء تقرأ بعين الجابري: عن المحاضرة الافتتاحية لأكاديمية جسور الفكرية


الدار البيضاء تقرأ بعين الجابري: عن المحاضرة الافتتاحية لأكاديمية جسور الفكرية


في مدينة تنبض بالحركة والأسئلة، وتبحث عن جدل العقل والمعنى، التأمت أكاديمية جسور الفكرية – المشروع التكويني لجمعية جسور القراءة – في محاضرة افتتاحية تحمل من العنوان ما يكفي لإشعال الذهن: "سؤال النهضة في فكر محمد عابد الجابري"، وذلك يوم الأحد 11 ماي 2025، بـمركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية بمدينة الدار البيضاء.


جاء اللقاء تتويجًا لانطلاق البرنامج التأهيلي الأول للأكاديمية، الذي اختار أن يغوص منذ بدايته في واحد من أعمق المشاريع الفلسفية في الفكر العربي المعاصر: مشروع الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري، حيث تسعى الأكاديمية، من خلال هذه الدورة، إلى إحياء الفكر النقدي وترسيخ تقاليد قرائية عقلانية لدى الأجيال الصاعدة.


افتتحت الباحثة سفانة إيراوي، مديرة الأكاديمية، اللقاء بكلمة نابعة من قناعة راسخة بأن الفكر ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية، مشددة على أهمية استعادة مشروع الجابري، خاصة في ظل تحديات التفكك القيمي والتراجعات المعرفية، ودعت إلى مأسسة الحوار حول النهضة، لا كحلم مؤجل، بل كمسؤولية حاضرة.


أما الأستاذ عبد الفتاح مجاهد، رئيس جمعية جسور القراءة، فقد قاد الحضور في رحلة فكرية عبر ملامح المشروع الجابري، واضعًا بين أيدي المشاركين مفاتيح أساسية لفهم مسار الجابري في نقد العقل العربي وتجديد التراث وإعادة طرح سؤال النهضة خارج الأجوبة الجاهزة.


لم يكن اللقاء مجرد محاضرة من فوق منصة، بل فضاءً مفتوحًا لتداول الأفكار وتساؤل المسلمات. أسئلة المشاركين ومداخلاتهم كشفت عن وعي نقدي آخذ في التشكل، وعن تعطش لفهم معضلة "النهضة" في أفق يتجاوز النقل والانفعال، نحو التأسيس العقلاني للفعل الثقافي والتربوي.


تُعد هذه المحطة، بكل ما حملته من زخم فلسفي وتفاعلي، لحظة تأسيسية لمسار واعد، تلتقي فيه القراءة بالفكر، والنص بالحياة، والتكوين بالمشروع. إن ما شرعت فيه الأكاديمية ليس فقط برنامجًا تأهيليًا، بل نواة لوعي جديد يتشكل، ولبنة في صرح النهضة المرجوة.

الجمعة، 9 مايو 2025

بيان جسور القراءة بمناسبة اليوم الوطني للقراءة – 10 ماي 2025

 

بيان جسور القراءة بمناسبة اليوم الوطني للقراءة – 10 ماي 2025



بمناسبة اليوم الوطني للقراءة الذي يصادف 10 ماي من كل سنة، تتوجه جسور القراءة بكافة فروعها في مختلف مدن المملكة، بأحر التهاني لكل القارئات والقراء، و لكل الفاعلين والمهتمين بمجال الكتاب والمطالعة، ولكل من يسهم في ترسيخ ثقافة الكتاب والمطالعة في المجتمع المغربي، إيمانًا منا بأن القراءة هي رافعة أساسية للتنمية الفردية والجماعية، وأداة فعالة لبناء الوعي، وترسيخ قيم الحوار والانفتاح، وتُجدد التأكيد على أن القراءة تظل ركيزة أساسية لأي مشروع مجتمعي تنموي، وبوابة نحو بناء مواطن واعٍ ومبدع ومنفتح.

وتنتهز الجمعية هذه المناسبة لتجدد تأكيدها على مركزية فعل القراءة في المشروع الثقافي الوطني، وعلى ضرورة الاستثمار في البرامج والمبادرات التي تجعل من القراءة سلوكًا يوميًا وأسلوب حياة، خصوصًا في صفوف الناشئة والشباب، وإذ تثمّن الجمعية كل المبادرات الرامية إلى تحفيز القراءة ونشر ثقافتها، فإنها تنوّه بشكل خاص بالدعوة لتنظيم المناظرة الوطنية حول القراءة،  باعتبارها خطوة استراتيجية نحو بناء رؤية وطنية جماعية لتشجيع فعل القراءة، مبادرة تعكس وعي المؤسسات الرسمية والمدنية بأهمية العمل المشترك لتطوير واقع القراءة بالمغرب.

تدعو جسور القراءة إلى إشراك الفاعلين المدنيين والميدانيين الجادين المنخرطين في الميدان القرائي من جمعيات ومبادرات شبابية ومكتبات ومؤسسات تعليمية وثقافية، الذين راكموا تجارب حقيقية ومؤثرة في مجال الترويج للقراءة، والخروج بخطة عمل وطنية قابلة للتنفيذ، تتوزع على مستويات تعليمية وثقافية وإعلامية. وجعل اليوم الوطني للقراءة مناسبة سنوية لإطلاق مبادرات واسعة النطاق، وتحويله إلى لحظة دينامية سنوية للاحتفاء بالكتاب والقارئ، وإطلاق برامج وطنية وجهوية تراعي خصوصية كل فئة ومجال. وتحفيز مختلف الفئات المجتمعية على تبني القراءة كأسلوب حياة. مع الخروج بتوصيات عملية واضحة تسهم في بلورة سياسة عمومية تشجع القراءة وتدعم الفاعلين فيها.

وفي سياق متصل، وبمناسبة اختيار مدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، تدعو جسور القراءة إلى الانكباب من الآن على التخطيط الجيد لهذه المناسبة الدولية الهامة، عبر إشراك حقيقي وشامل لجميع المبادرات والجمعيات التي تنشط في مجال القراءة على امتداد التراب الوطني. ووضع برنامج وطني وازن ومتنوع يعكس الغنى الثقافي للمغرب ويُعزز إشعاعه دوليًا في مجال النهوض بالقراءة. والاستفادة من هذه المناسبة لتكريس سياسات عمومية مستدامة تُعيد للقراءة مكانتها في الحياة اليومية للمغاربة.

وفي هذا السياق تجدد جسور القراءة التزامها الراسخ بمواصلة جهودها التطوعية والميدانية، من خلال تنظيم لقاءات أدبية، أنشطة القرب، ولقاءات القراءة، وورشات الكتابة، والمبادرات التحفيزية داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، بهدف جعل القراءة فعلًا مشتركًا يعيد الاعتبار للثقافة كقوة ناعمة للتغيير والبناء، في سبيل تحقيق مغرب قارئ ومُستنير.

وختامًا، تدعو الجمعية كافة شركائها وعموم المواطنات والمواطنين إلى جعل هذا اليوم الوطني محطة للتأمل في علاقتنا بالكتاب، وفرصة لتجديد العهد مع القراءة، باعتبارها فعلًا مقاومًا للسطحية، ومدخلًا لبناء مجتمع قارئ.

عن المكتب الوطني لجمعية جسور القراءة

10 ماي 2025

الأربعاء، 7 مايو 2025

التربية الإسلامية ورهانات الهوية والقيم: قراءة تحليلية في بيان الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية (ماي 2025)


 بقلم : سليم ياسين 

يعد البيان الصادر عن الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية في ماي 2025 وثيقة تربوية تتجاوز مضمونها الظاهر إلى ما هو أعمق من المواقف الظرفية أو المطالب المهنية. إنها وثيقة تعكس وعياً استراتيجياً بمآلات المدرسة المغربية، وتضع مادة التربية الإسلامية في قلب الرهان الحضاري الذي يعيشه المغرب في سياق تحولات اجتماعية وثقافية معقدة. وإذ يأتي البيان تحت شعار “التربية الإسلامية: رهانات الحاضر وتحديات المستقبل”، فإنه لا يعبر عن مجرد موقف من وضعية بيداغوجية، بل يستبطن رؤية شمولية لمشروع مجتمعي متكامل تتداخل فيه الأبعاد التربوية والهوياتية والقيمية.


ينطلق البيان من إدراك حاد بأن موقع مادة التربية الإسلامية في المنظومة التعليمية لم يعد يواكب أهمية الرهانات المطروحة على المدرسة. فالمادة لم تعد تُعامل باعتبارها مكوناً معرفياً موجهاً للسلوك فقط، بل أصبحت اليوم في صلب معركة الحفاظ على المرجعية الحضارية للبلد، وعلى التوازن الروحي والقيمي للأجيال الصاعدة. لذلك، فإن مطالبة الجمعية بإعادة الاعتبار للمادة، ورفع حصتها الزمنية، وتحسين منهجها، وتوسيع حضورها في الفضاءات التعليمية، ليست سوى تعبير عن هذا القلق العميق من إفراغ المدرسة من بعدها التربوي الأصيل.


كما يبرز في البيان هاجس الدفاع عن المدرسة المغربية كمجال لصيانة الهوية الإسلامية، في مقابل نزوع بعض المقاربات البيداغوجية الحديثة إلى تفكيك البنية المرجعية للقيم التربوية. من هذا المنطلق، يمكن فهم تأكيد البيان على أهمية جعل التربية الإسلامية مادة محورية في كل أسلاك التعليم، ليس فقط من حيث الحجم الساعي، بل من حيث إعادة بناء مناهجها لتستجيب لتحولات الواقع، دون التفريط في مرجعيتها العقدية والأخلاقية. فالجمعية هنا لا تكتفي بالدفاع عن موقع المادة داخل المقرر، بل تدعو إلى صياغة رؤية بيداغوجية متكاملة قادرة على تأطير الناشئة في زمن التشظي القيمي والانفجار المعلوماتي.


وما يعمق هذا الطرح هو استحضار البيان لبعد الصراع الرمزي في المجال التربوي. فاللغة المستعملة، والإحالات المتكررة إلى الهوية الوطنية والروحية، تشير إلى أن الأمر يتعلق بمواجهة ضمنية مع نماذج تعليمية ذات نزوع غربي ، تعمل على تحييد القيم الدينية من المجال المدرسي، أو اختزالها في تمارين معرفية جامدة. وفي المقابل، يسعى البيان إلى إعادة الاعتبار للتربية الإسلامية كحقل يسهم في بناء الذات الإنسانية من الداخل، بما يحصن المتعلم من الانزلاق نحو العنف أو الفراغ القيمي.


إن إحدى النقاط اللافتة في البيان هي الربط بين التربية الإسلامية والقضية الفلسطينية، وهو ربط غير بريء دلالياً. فالإشارة إلى الاحتلال الصهيوني وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاكات، يتجاوز حدود التضامن التقليدي ليصبح دعامة رمزية لخطاب مقاوم، يرى في المدرسة مجالاً لتشكيل وعي نقدي يعيد الاعتبار للقضايا الكبرى للأمة. هكذا تصبح التربية الإسلامية ليست فقط مادة تعليمية، بل مجالاً استراتيجياً لبناء مواطن منخرط في الدفاع عن العدالة والكرامة وحقوق الإنسان وفق مرجعيته الحضارية.


ومع أن البيان يحرص على خطاب توافقي، منفتح على الحوار مع مختلف الفاعلين التربويين والمؤسسات الرسمية، إلا أنه في العمق يعكس رغبة ضمنية في إعادة رسم الحدود الفاصلة بين المرجعيات المتنافسة داخل الحقل التعليمي. إنه دعوة لإعادة التوازن في السياسات التربوية، من خلال توسيع مساحة حضور المرجعية الإسلامية في صلب العملية التربوية، باعتبارها عاملاً أساسياً في بناء الاستقرار المجتمعي.


من خلال هذا التحليل، يمكن القول إن بيان الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية يشكل منعطفاً مهماً في مسار الدفاع عن التربية القيمية في المغرب. فهو ليس مجرد موقف ظرفي، بل وثيقة تعكس وعياً متقدماً بمخاطر التهميش الثقافي، وتطمح إلى المساهمة في بلورة مشروع تربوي منسجم مع مقومات الهوية المغربية. ومادامت المدرسة تشكل الحاضنة الأولى لتشكيل وعي الأجيال، فإن مستقبل المجتمع المغربي سيظل رهيناً بقدرتنا على بناء تربية تستبطن المرجعية الإسلامية، وتمنح المتعلم أفقاً روحياً وأخلاقياً قادراً على مواجهة تحديات الحاضر وتحولات المستقبل.

الثلاثاء، 6 مايو 2025

أزمة الثقة بين الشغيلة التعليمية والحكومة: قراءة في بيان الجامعة الوطنية للتعليم


  


بقلم: ذ. سليم ياسين


في خضم سياق اجتماعي وتعليمي يتسم بالاحتقان والتوجس، جاء بيان الجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل بتاريخ 5 ماي 2025 ليعكس حجم الهوة المتسعة بين الشغيلة التعليمية ووزارة التربية الوطنية. فالبيان، وإن اتخذ طابعاً نقابياً، إلا أنه يحمل دلالات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة وممثلي الأطر التربوية، في ظل واقع يزداد تعقيداً.


لغة البيان جاءت مباشرة، حادة، ومليئة بالتنديد، حيث وجّه المكتب التنفيذي للنقابة اتهامات صريحة للوزارة بالتماطل والتسويف، وغياب الإرادة الحقيقية في معالجة الملفات العالقة، وعلى رأسها مخرجات اتفاقي 14 يناير و26 أبريل. ولم يقتصر الأمر على انتقاد الأداء الإداري، بل تعداه إلى التشكيك في صدق الخطاب الرسمي، الذي وصفه البيان بأنه مليء بالتضليل الإعلامي ومحاولة تسويق الوهم للرأي العام.


وراء هذه اللغة الغاضبة، يمكن تلمّس أزمة بنيوية في تدبير ملف التعليم بالمغرب، حيث لم تعد مطالب الشغيلة التعليمية محصورة في تحسين الأجور أو الترقية، بل أصبحت متصلة بكرامة الأطر، ومكانتهم داخل المنظومة، ومدى احترام الدولة لتعهداتها. بيان الجامعة الوطنية للتعليم ينقل بوضوح شعوراً عميقاً بالإهانة، ورفضاً صريحاً لما تعتبره النقابة “استبلاداً ممنهجاً” تمارسه الوزارة عبر تجاهل مطالبها.


في العمق، يكشف البيان عن انزلاق الحوار الاجتماعي نحو نفق مسدود، بعد أن غاب التفاعل الجاد من طرف الوزارة، وجرى تعليق جلسات الحوار دون توضيح الأسباب، وهو ما اعتبرته النقابة دليلاً على غياب الرغبة السياسية في الوصول إلى توافقات. كما جاء التنديد بتغليب منطق “الهروب إلى الأمام” على حساب الالتزامات السابقة، ليزيد من منسوب الاحتقان في صفوف الشغيلة.


البيان لم يكن مجرد صرخة احتجاج، بل كان إعلاناً ضمنياً عن الاستعداد للتصعيد. فالدعوة المفتوحة لنساء ورجال التعليم إلى المزيد من التكتل والنضال تشير إلى أن النقابة تعتبر المرحلة القادمة مصيرية في مسار الدفاع عن المدرسة العمومية، وتستدعي تعبئة شاملة لمواجهة ما تصفه بـ"العبث المؤسساتي" و"التهميش الممنهج".


من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن البيان عبّر عن تصور بديل، يقوم على الشراكة الحقيقية والتفاوض المسؤول، لكنه ربط هذا الأفق بضرورة إظهار الوزارة لحسن النية من خلال تطبيق الاتفاقات واحترام الزمن التفاوضي. وهو موقف يعبّر عن نضج نقابي يعترف بأهمية الحوار، لكنه يشترط صدقيته وجدواه.


يبقى أن بيان 5 ماي ليس معزولاً عن سياق عام متوتر، بل يأتي امتداداً لسلسلة من ردود الأفعال الغاضبة تجاه تدبير الحكومة لهذا القطاع الحيوي. وإذا لم تسارع الوزارة إلى إعادة بناء جسور الثقة، فإن المدرسة العمومية مقبلة على مرحلة دقيقة، قد تتسم بعودة الإضرابات، وتعطيل السير العادي للدراسة، وفقدان ما تبقى من الأمل في إصلاح طال انتظاره.


في النهاية، قد تكون الرسالة الأهم في البيان هي أن الكرامة لم تعد شعاراً مرفوعاً، بل أصبحت جوهر الصراع ومحرّكه، وأن إنصاف الشغيلة التعليمية شرطٌ لا محيد عنه لإنقاذ التعليم العمومي من أزمته المستفحلة.



 

عربي باي